تجاوز إلى المحتوى
بيانات التاسعه

كهرباء الذكاء الاصطناعي: الرقم الذي يكشف التكلفة الخفية للثورة الرقمية

مايو 8, 20261 دقيقة قراءة news9@alsharq.net.sa
السبب التأثير الأطراف البيانات السيناريوهات
كهرباء الذكاء الاصطناعي: الرقم الذي يكشف التكلفة الخفية للثورة الرقمية

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطبيق نستخدمه لكتابة نص، أو توليد صورة، أو تلخيص تقرير. خلف كل سؤال نطرحه على نموذج ذكي، وخلف كل صورة يتم إنشاؤها، وخلف كل خدمة رقمية تعمل بسرعة، توجد بنية ضخمة من مراكز البيانات، والخوادم، والمعالجات، وأنظمة التبريد، وشبكات الكهرباء. ما يبدو للمستخدم خفيفًا وسريعًا على الشاشة، قد يكون في الواقع جزءًا من طلب عالمي متزايد على الطاقة.

القصة هنا ليست تقنية فقط، بل اقتصادية وبيئية وتنظيمية. فالعالم يدخل مرحلة جديدة يصبح فيها السؤال عن الذكاء الاصطناعي مرتبطًا بسؤال آخر: من أين ستأتي الكهرباء؟ وهل تستطيع الشبكات الحالية تحمل هذا النمو؟ وهل يمكن بناء اقتصاد رقمي ضخم دون أن يتحول إلى ضغط جديد على الطاقة والمياه والبنية التحتية؟

إنفوجرافيك عربي يوضح ارتفاع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عالميًا من 485 تيراواط ساعة في 2025 إلى 950 تيراواط ساعة في 2030، مع مشهد لمركز بيانات وشبكات كهرباء رقمية.

الأرقام الأخيرة تجعل الموضوع أكثر وضوحًا. وكالة الطاقة الدولية قدّرت أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء قد يتضاعف تقريبًا من نحو 485 تيراواط ساعة في 2025 إلى نحو 950 تيراواط ساعة في 2030، ليشكل حوالي 3% من الطلب العالمي على الكهرباء في ذلك الوقت. الأهم أن مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي تنمو بوتيرة أسرع من مراكز البيانات التقليدية، وقد يتضاعف استهلاكها عدة مرات خلال الفترة نفسها.

الفكرة في سطر

الذكاء الاصطناعي لا يستهلك “بيانات” فقط، بل يستهلك كهرباء، ومساحات، ومياه تبريد، واستثمارات ضخمة في الشبكات. وكلما زاد استخدامنا له، زادت أهمية فهم الرقم الذي يقف خلف الشاشة.

تصميم بيانات عربي يقارن بين نمو استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات بنسبة 17% ونمو الطلب العالمي على الكهرباء بنسبة 3% خلال عام 2025، مع خلفية لمركز بيانات وشبكة كهربائية.

من أين يأتي الطلب؟

لكي يعمل الذكاء الاصطناعي، يحتاج إلى نوعين من العمليات. الأولى هي التدريب، وهي المرحلة التي يتم فيها بناء النموذج وتعليمه على كميات هائلة من البيانات. هذه المرحلة تحتاج إلى معالجات قوية جدًا، وتستهلك طاقة كبيرة خلال وقت مكثف. الثانية هي التشغيل اليومي، أو ما يسمى الاستدلال، وهي المرحلة التي يستخدم فيها الناس النموذج فعليًا: سؤال وجواب، بحث، تحليل، توليد صورة، كتابة كود، أو تشغيل مساعد ذكي داخل شركة.

في السابق، كانت مراكز البيانات تخدم البريد الإلكتروني، التخزين السحابي، بث الفيديو، المواقع، والتطبيقات. اليوم أضيف إليها حمل جديد: الذكاء الاصطناعي التوليدي. هذا الحمل لا يزداد فقط بسبب الشركات التقنية الكبرى، بل بسبب دخول الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات واسعة مثل البنوك، التعليم، الإعلام، الصحة، الأمن، الصناعة، وخدمة العملاء.

لهذا السبب لم تعد مراكز البيانات منشآت تقنية معزولة. أصبحت جزءًا من تخطيط الطاقة الوطني، ومن المنافسة بين المدن والدول، ومن قرارات الاستثمار في الكهرباء والغاز والطاقة المتجددة وحتى الطاقة النووية.

إنفوجرافيك عربي يوضح توقع ارتفاع الطلب على الطاقة من مراكز البيانات بنسبة 165% بحلول عام 2030 مقارنة بعام 2023، مع صورة لمركز بيانات وأبراج كهرباء وشبكات رقمية.

الرقم الذي يغير الصورة

بحسب وكالة الطاقة الدولية، ارتفع استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات خلال 2025 بنسبة 17%، بينما زاد الطلب العالمي العام على الكهرباء بنحو 3%. هذا الفرق مهم جدًا، لأنه يعني أن نمو مراكز البيانات أسرع بكثير من نمو الطلب الكهربائي التقليدي، وأن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد المحركات الجديدة للضغط على الشبكات.

الفارق بين 3% و17% ليس مجرد فرق إحصائي. إنه يقول إن قطاعًا واحدًا صغيرًا نسبيًا من حيث عدد المنشآت يمكن أن يغير حسابات الطاقة في دول كاملة. إذا كانت شبكة الكهرباء في مدينة معينة مصممة على توقعات نمو تقليدية، ثم ظهرت طلبات مراكز بيانات ضخمة خلال سنوات قليلة، فقد تصبح المشكلة ليست في توفر الأرض أو التمويل، بل في قدرة الشبكة على إيصال الطاقة.

وهنا تظهر أهمية النظر إلى الكهرباء باعتبارها البنية التحتية الحقيقية للذكاء الاصطناعي. لا يكفي أن تملك شركة معالجات قوية أو نماذج متقدمة. إذا لم تكن هناك كهرباء مستقرة ورخيصة ومنخفضة الانبعاثات، فإن توسع الذكاء الاصطناعي يصبح أكثر تعقيدًا.

ماذا تقول تقديرات السوق؟

ليست وكالات الطاقة وحدها من تراقب هذا التحول. تقديرات Goldman Sachs Research تشير إلى أن الطلب العالمي على الكهرباء من مراكز البيانات قد يرتفع بنسبة تصل إلى 165% بحلول نهاية العقد مقارنة بمستويات 2023. هذا يعني أن السوق لا يتعامل مع طفرة مؤقتة، بل مع موجة بنية تحتية ضخمة قد تمتد لسنوات.

الرقم مهم لأنه يوضح أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد “برنامج”، بل صناعة تحتاج إلى مصانع رقمية. هذه المصانع ليست خطوط إنتاج تقليدية، لكنها تستهلك كهرباء وتحتاج إلى تبريد وتشغيل وصيانة واتصال دائم بالإنترنت. وكلما زاد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الأعمال اليومية، زادت الحاجة إلى مراكز بيانات أكبر وأقرب وأكثر كفاءة.

لماذا يهم هذا القارئ العادي؟

قد يبدو الموضوع بعيدًا عن حياة المواطن. لكن أثره قد يصل إلى الجميع. عندما يزيد الطلب على الكهرباء، تظهر أسئلة عن الأسعار، والاستثمارات، وتوسعة الشبكات، ومصادر الطاقة، وأولويات التخصيص. هل تعطى الأولوية للمصانع؟ للمنازل؟ لمشاريع التحول الرقمي؟ لمراكز البيانات؟ وهل يجب على شركات التقنية أن تبني مصادر طاقتها الخاصة؟ وهل تتحمل الشبكة العامة تكاليف التوسع؟

في بعض المناطق، بدأت هذه الأسئلة تتحول إلى قرارات فعلية. في الدنمارك، أوقفت الجهات المسؤولة مؤقتًا بعض طلبات الربط الجديدة بالشبكة بعد وصول طلبات الربط الإجمالية إلى 60 جيجاواط، منها 14 جيجاواط مرتبطة بمراكز البيانات، وهو رقم يفوق كثيرًا ذروة الاستهلاك الكهربائي في البلاد. هذا المثال يوضح أن المسألة لم تعد افتراضية، بل أصبحت تحديًا تخطيطيًا حقيقيًا.

رسم تحليلي عربي يشرح ضغط مراكز البيانات على شبكات الكهرباء باستخدام مثال الدنمارك، مع أرقام توضح 60 جيجاواط طلبات ربط إجمالية و14 جيجاواط مرتبطة بمراكز البيانات.

الطاقة النظيفة تحت الاختبار

الذكاء الاصطناعي يضع وعود الاستدامة أمام اختبار صعب. شركات التقنية الكبرى أعلنت خلال السنوات الماضية أهدافًا طموحة للطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات، لكن توسع مراكز البيانات قد يجعل تحقيق هذه الأهداف أكثر صعوبة. تقرير حديث أشار إلى أن مايكروسوفت قد تراجع بعض أهدافها المرتبطة بمطابقة استهلاكها الكهربائي بالطاقة النظيفة بحلول 2030 بسبب ارتفاع الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي، مع استمرارها في الاستثمار في مصادر طاقة منخفضة الكربون.

هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي ضد الاستدامة بالضرورة. بل يعني أن الاستدامة لم تعد شعارًا عامًا، بل معادلة معقدة: كيف نزيد القدرة الحاسوبية، ونحافظ على موثوقية الشبكة، ونقلل الانبعاثات، ونمنع ارتفاع التكاليف على المستخدم النهائي؟

ماذا يعني ذلك للمنطقة؟

بالنسبة للدول العربية، وخصوصًا الدول التي تستثمر في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، فإن المسألة تحمل فرصة وتحديًا في الوقت نفسه. الفرصة أن المنطقة تملك مواقع جغرافية مهمة، واستثمارات كبيرة في البنية التحتية، وطموحًا لبناء اقتصادات رقمية جديدة. أما التحدي فهو أن مراكز البيانات تحتاج إلى كهرباء موثوقة، وتبريد فعال، وتنظيم واضح، وربط ذكي بين الطاقة والتقنية.

إذا أرادت دولة أن تكون مركزًا إقليميًا للذكاء الاصطناعي، فلا يكفي أن تعلن استراتيجيات رقمية. عليها أن تخطط للكهرباء والمياه والأراضي والألياف البصرية والتشريعات والكوادر. مراكز البيانات ليست مباني فقط، بل منظومة كاملة. والرقم الذي يجب مراقبته ليس عدد الخوادم فقط، بل كمية الطاقة التي ستحتاجها هذه الخوادم خلال السنوات القادمة.

كيف نقرأ الرقم؟

عندما نقرأ أن مراكز البيانات قد تستهلك نحو 3% من كهرباء العالم بحلول 2030، يجب ألا نتعامل مع الرقم كخبر مخيف فقط. 3% قد تبدو نسبة صغيرة، لكنها ضخمة إذا عرفنا أنها تأتي من قطاع محدد وسريع النمو. والأهم أن هذا الطلب لا يتوزع بالتساوي حول العالم، بل يتركز في مدن ومناطق معينة. لذلك قد تكون المشكلة في بلد ما محدودة، بينما تكون في مدينة أخرى أزمة حقيقية للشبكة.

كما يجب ألا نقرأ الرقم بمعزل عن الفائدة. الذكاء الاصطناعي قد يساعد في تحسين كفاءة الطاقة، وتوقع الأعطال، وتطوير الطب، وتسريع البحث العلمي، وتحسين الخدمات الحكومية. لكن الفائدة لا تلغي التكلفة، والتكلفة لا تلغي الفائدة. الفهم الجيد يبدأ من وضع الاثنين في ميزان واحد.

الخلاصة

الثورة الرقمية لم تعد تعيش في السحابة فقط. السحابة لها أرض، ومباني، وكابلات، ومياه تبريد، ومحطات كهرباء. وكلما زاد اعتماد العالم على الذكاء الاصطناعي، أصبح السؤال عن الطاقة جزءًا من السؤال عن مستقبل التقنية.

الرقم الأهم ليس فقط عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي، ولا حجم النماذج، ولا سرعة المعالجات. الرقم الأهم هو كمية الكهرباء التي سيحتاجها هذا العالم الجديد. فمن يملك الطاقة، ويديرها بكفاءة، ويوازن بينها وبين الاستدامة، سيكون أكثر قدرة على بناء اقتصاد ذكاء اصطناعي حقيقي.

في النهاية، الذكاء الاصطناعي ليس مجرد ذكاء رقمي. إنه اختبار جديد لذكاء التخطيط. والأرقام تقول لنا بوضوح: المستقبل لن تصنعه البيانات وحدها، بل ستصنعه أيضًا الشبكات القادرة على تشغيل هذه البيانات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *