تجاوز إلى المحتوى
بيانات التاسعه

الاقتصاد الموازي في العالم العربي: أرقام تتحرك خارج الدفاتر الرسمية

مايو 8, 20261 دقيقة قراءة news9@alsharq.net.sa
السبب التأثير الأطراف البيانات السيناريوهات
الاقتصاد الموازي في العالم العربي: أرقام تتحرك خارج الدفاتر الرسمية

لا يظهر الاقتصاد الحقيقي دائمًا في التقارير الرسمية. فهناك جزء واسع من النشاط اليومي يتحرك خارج السجلات الضريبية، وخارج التأمينات، وخارج قواعد البيانات الحكومية. هذا الجزء يسمى غالبًا: الاقتصاد الموازي، أو الاقتصاد غير الرسمي، أو اقتصاد الظل. وهو ليس ظاهرة هامشية، بل مساحة كبيرة يعيش داخلها ملايين الناس، من البائع الصغير في الشارع، إلى العامل اليومي، إلى الورشة غير المسجلة، إلى الخدمات التي تقدم نقدًا دون فواتير أو عقود واضحة.

في العالم العربي، لا يمكن فهم سوق العمل أو الأسعار أو ضعف الحصيلة الضريبية أو صعوبة التخطيط الاقتصادي من دون النظر إلى هذا الاقتصاد الموازي. الأرقام الرسمية تخبرنا بما تم تسجيله، لكنها لا تخبرنا دائمًا بما يحدث فعليًا في السوق. ولهذا، يصبح السؤال المهم: كم من الاقتصاد العربي يتحرك في الظل؟ وما الذي تعنيه هذه الأرقام لحياة الناس والدولة والشركات؟

تختلف تقديرات حجم الاقتصاد غير الرسمي من دولة إلى أخرى، لأن كل مصدر يستخدم تعريفًا وطريقة قياس مختلفة. بعض الدراسات تقيس الإنتاج غير الرسمي كنسبة من الناتج المحلي، وبعضها يقيس العمالة غير الرسمية، وبعضها يركز على الأنشطة غير المسجلة أو غير الخاضعة للضرائب. لذلك يجب قراءة الأرقام باعتبارها مؤشرات تقريبية، لا أرقامًا نهائية مغلقة. البنك الدولي لديه قاعدة بيانات للاقتصاد غير الرسمي تشمل عشرات الدول ومقاييس متعددة للإنتاج والعمالة غير الرسمية، وهو ما يعكس صعوبة قياس الظاهرة برقم واحد فقط.

إنفوجرافيك داكن يوضح أرقام الاقتصاد الموازي في العالم العربي، مع مؤشرات عن العمالة غير الرسمية والضرائب والقطاعات الأكثر تأثرًا.

الفكرة في سطر

الاقتصاد الموازي ليس مجرد نشاط مخالف أو تهرب من النظام، بل هو أحيانًا طريقة بقاء لملايين الأفراد، لكنه في الوقت نفسه يضعف الحماية الاجتماعية، ويقلل الإيرادات العامة، ويجعل قراءة الاقتصاد أصعب.

ماذا يعني الاقتصاد الموازي؟

الاقتصاد الموازي هو النشاط الاقتصادي الذي ينتج سلعًا أو خدمات حقيقية، لكنه لا يدخل بالكامل في النظام الرسمي. قد يكون النشاط قانونيًا في أصله، مثل البيع أو الصيانة أو النقل أو الخدمات المنزلية، لكنه يصبح غير رسمي عندما يتم خارج التسجيل التجاري، أو خارج النظام الضريبي، أو بلا عقود عمل، أو بلا تأمينات اجتماعية.

هنا يجب التفريق بين الاقتصاد الموازي والاقتصاد غير المشروع. ليس كل اقتصاد موازٍ نشاطًا إجراميًا. العامل الذي يعمل يوميًا دون عقد، أو البائع الذي يبيع عبر حسابات التواصل دون سجل تجاري، أو الحرفي الذي يقدم خدمة نقدية دون فاتورة، كلهم قد يكونون جزءًا من الاقتصاد غير الرسمي، لكنهم ليسوا بالضرورة جزءًا من نشاط محظور. المشكلة أن هذا النشاط، حتى عندما يكون مفيدًا للناس، يبقى صعب القياس والتنظيم والحماية.

لماذا ينتشر؟

ينتشر الاقتصاد الموازي عادة عندما تكون كلفة الدخول إلى النظام الرسمي مرتفعة، أو عندما تكون الإجراءات طويلة، أو عندما لا يجد الناس وظائف مستقرة في القطاع الرسمي. كما يزيد في أوقات الأزمات، لأن الأفراد يبحثون عن أي مصدر دخل، حتى لو كان مؤقتًا أو غير محمي.

في المنطقة العربية، ترتبط الظاهرة بثلاثة عوامل رئيسية. الأول هو ضغط سوق العمل، خصوصًا بين الشباب. الثاني هو وجود منشآت صغيرة جدًا تعمل بهوامش ربح محدودة وتخشى تكاليف التسجيل والضرائب. الثالث هو ضعف الثقة أحيانًا بين الفرد والمؤسسة، حيث يفضل البعض البقاء خارج النظام إذا لم ير فائدة مباشرة من التسجيل الرسمي.

منظمة العمل الدولية تشير في تقاريرها عن الدول العربية إلى استمرار تحديات سوق العمل، ومنها البطالة، وضعف قدرة القطاع الخاص على خلق فرص كافية، والضغوط الديموغرافية، وهي عوامل تزيد قابلية الناس للانتقال إلى أعمال غير رسمية عند غياب البدائل. وفي تقريرها عن اتجاهات التوظيف في الدول العربية لعام 2024، توقعت المنظمة بقاء معدل البطالة في المنطقة عند مستوى مرتفع يبلغ 9.8% في 2024.

الرقم لا يقول كل شيء

عندما نقول إن الاقتصاد الموازي يمثل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي، فنحن لا نتحدث فقط عن أموال لا تظهر في الميزانيات. نحن نتحدث عن عمال بلا حماية، وأجور بلا ضمان، وشركات نظامية تواجه منافسة من منشآت لا تتحمل التكاليف نفسها، ودولة تفقد جزءًا من قدرتها على تمويل الخدمات العامة.

تقديرات صندوق النقد الدولي تشير، في إحدى الدراسات، إلى أن الإنتاج غير الرسمي في شمال أفريقيا يقدر في المتوسط بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الرقم لا يعني أن كل الدول العربية عند المستوى نفسه، لكنه يعطي إشارة مهمة: جزء كبير من النشاط الاقتصادي في المنطقة قد يكون خارج القياس الرسمي الكامل.

ومن زاوية العمالة، تشير بيانات منشورة اعتمادًا على تحديثات منظمة العمل الدولية إلى أن العمالة غير الرسمية في الدول العربية تمثل نسبة مؤثرة من إجمالي التوظيف، مع تقديرات تدور حول أكثر من نصف العاملين في بعض التصنيفات الإقليمية. وتعرض WIEGO، بالاستناد إلى بيانات منظمة العمل الدولية، أن نسبة العمالة غير الرسمية في الدول العربية بلغت 54% في أحد التحديثات الإحصائية.

أثره على الدولة

أول أثر واضح للاقتصاد الموازي هو تراجع الإيرادات العامة. عندما تعمل أنشطة كبيرة خارج التسجيل، تصبح الدولة أقل قدرة على جمع الضرائب والرسوم بشكل عادل. هذا لا يعني فقط انخفاض دخل الحكومة، بل يعني أيضًا أن العبء قد ينتقل إلى الجهات والأفراد الملتزمين رسميًا.

النتيجة هي خلل في المنافسة. الشركة المسجلة تدفع رسومًا، وتلتزم بالضرائب، وتؤمن على الموظفين، وتتحمل تكاليف تنظيمية. في المقابل، قد ينافسها نشاط غير رسمي بأسعار أقل لأنه لا يتحمل العبء نفسه. هنا تصبح المشكلة ليست فقط مالية، بل أخلاقية وتنظيمية: كيف نكافئ الالتزام إذا كان غير الملتزم يستطيع البيع بتكلفة أقل؟

أثره على العامل

العامل في الاقتصاد الموازي قد يحصل على دخل سريع، لكنه غالبًا يدفع الثمن من الحماية. لا توجد إجازات واضحة، ولا تأمينات، ولا تعويضات، ولا مسار وظيفي، ولا ضمان عند الإصابة أو فقدان العمل. وهذا يجعل ملايين العاملين قريبين من الهشاشة، حتى لو كانوا يعملون يوميًا.

المفارقة أن الاقتصاد الموازي قد يبدو حلًا مؤقتًا للبطالة، لكنه لا يصنع استقرارًا طويل الأجل. فهو يوفر دخلاً، لكنه لا يبني حقوقًا. يوفر حركة في السوق، لكنه لا يضمن نموًا صحيًا. يسمح للناس بالعمل، لكنه لا يحميهم من الصدمات.

أثره على البيانات

أخطر ما في الاقتصاد الموازي أنه يجعل القرار الاقتصادي أقل دقة. عندما لا تظهر آلاف الأنشطة في السجلات، تصبح بيانات الدخل والاستهلاك والإنتاج أقل اكتمالًا. وعندما لا تسجل عقود العمل، تصبح قراءة البطالة والأجور والإنتاجية أصعب.

ولهذا، لا تكون المشكلة فقط في حجم النشاط غير الرسمي، بل في أثره على جودة القرار. كيف تخطط الحكومة لسوق العمل إذا كانت لا تعرف الحجم الكامل للعمالة؟ كيف تضع سياسات دعم أو ضرائب أو إسكان إذا كانت شريحة واسعة من الدخول غير مرئية؟ وكيف تقيس نجاح الإصلاحات إذا كان جزء كبير من الاقتصاد خارج الرادار؟

البنك الدولي يناقش في تقريره عن الشمول والنمو في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا العلاقة بين عدم الرسمية وضعف نتائج سوق العمل والنمو، ويركز على أهمية الانتقال التدريجي من العمل غير الرسمي إلى العمل الرسمي عبر إصلاحات تقلل الكلفة وتزيد الحماية.

هل الحل في العقوبات؟

العقوبات وحدها لا تكفي. إذا كان الدخول إلى النظام الرسمي معقدًا ومكلفًا، فإن الضغط قد يدفع الناس إلى الاختفاء أكثر. الحل الأفضل يبدأ من جعل الرسمية أسهل وأكثر فائدة. أي أن يشعر الفرد أو صاحب المشروع الصغير أن التسجيل يمنحه قيمة حقيقية: حماية، تمويل، وصولًا للأسواق، ثقة، وفرص نمو.

يمكن للدول أن تقلل حجم الاقتصاد الموازي عبر تبسيط إجراءات التسجيل، وتخفيض كلفة الامتثال على المنشآت الصغيرة، وتوسيع الدفع الإلكتروني، وربط الخدمات الحكومية بالحوافز، وتقديم برامج انتقال تدريجية لا تعامل كل نشاط غير رسمي كخصم، بل كجزء قابل للدمج.

الخلاصة

الاقتصاد الموازي في العالم العربي ليس مجرد رقم في تقرير، بل مرآة لعلاقة معقدة بين الناس والدولة والسوق. هو دليل على حيوية اجتماعية واقتصادية، لكنه أيضًا علامة على فجوات في التنظيم والحماية والثقة.

الأرقام تكشف أن هناك اقتصادًا كبيرًا يتحرك خارج الدفاتر، لكن الفهم الحقيقي يبدأ عندما نسأل: لماذا خرج؟ ومن يستفيد؟ ومن يتضرر؟ وكيف يمكن إعادته إلى النور دون قتل مصدر رزق الناس؟

القضية ليست أن نلغي الاقتصاد الموازي بقرار، بل أن نحوله تدريجيًا إلى اقتصاد رسمي، مرن، عادل، وقابل للقياس. فالاقتصاد الذي لا نراه لا يمكن أن نديره جيدًا، والعمالة التي لا نسجلها لا يمكن أن نحميها، والأرقام التي لا نفهم سياقها قد تقودنا إلى سياسات ناقصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *